محمد الغزالي
23
خلق المسلم
الْعِقابِ ؛ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 1 » . والإسلام - في علاجه للنفس ابتغاء إصلاحها - ينظر إليها من ناحيتين : أن فيها فطرة طيبة ، تهفو إلى الخير ، وتسرّ بإدراكه ، وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه ، وترى في الحق امتداد وجودها وصحة حياتها . وأن فيها - إلى جوار ذلك - نزعات طائشة ، تشرد بها عن سواء السبيل ، وتزين لها فعل ما يعود عليها بالضرر ، ويسفّ بها إلى منحدر سحيق . ولا يهمنا أن نستقصي أصول هذه النزعات السيئة من الناحية التاريخية ، لنعرف أهي طارئة على فطرة الإنسان ، أم مخلوقة معها ، وإنما يهمنا أن هذه وتلك موجودتان في الإنسان ، تتنازعان قياده ، ومصيره معلق بالناحية التي يستسلم لها . قال اللّه تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 2 » . وعمل الإسلام هو إسداء المعونة الكاملة للإنسان ، كي يدعم فطرته ويجلي أشعتها ، ويسير على هديها . وكي يتخلص - كذلك - من وساوس الإثم التي تراوده ، وتحاول السقوط به . وقد وصف الإسلام نفسه بأنه دين الفطرة الخالصة من هذه الشوائب جمعاء ؛ قال اللّه تعالى في كتابه العزيز : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » . إن وظيفة العين أن تبصر ، ما لم يلحقها عمى ، ووظيفة الأذن أن تسمع ، ما لم يصبها صمم ، ووظيفة الفطرة أن تستقيم مع الحق ، وتتدافع إليه تدفّع الماء
--> ( 1 ) الأنفال : 52 ، 53 . ( 2 ) الشمس : 7 - 10 . ( 3 ) الروم : 30 .